أحمد عتمة
في مشهد لم يتوقعه جمهور الحفل، رفضت المخرجة التونسية كوثر بن هنية، مساء الاثنين 17 فبراير 2026، تسلم جائزة «الفيلم الأكثر قيمة» التي منحتها إياها فعالية «سينما من أجل السلام» المقامة على هامش مهرجان برلين السينمائي.
تركت بن هنية التمثال الذهبي أمام الجميع على المنصة، ووجّهت رسالة حادة إلى صناعة السينما والسياسة الدولية: «السلام ليس عطراً يُرش على العنف ليبدو أنيقاً». وتابعت قائلة: «إذا أردنا الحديث عن السلام، فعلينا أولاً أن نتحدث عن العدالة.. والعدالة تبدأ بالمحاسبة». جاء الاحتجاج الصريح للمخرجة التونسية رفضاً لما اعتبرته «غطاء سياسياً دولياً» للحرب الإسرائيلية على غزة، خاصة بعد تكريم جنرال إسرائيلي في الفعالية ذاتها. وقالت بن هنية إنها لن تسمح باستخدام فيلمها لـ«تبييض الوجوه» أو تحويل معاناة الضحايا إلى «خلفية لخطاب مهذب عن السلام». وأنهت كلمتها بتعهد واضح: «سأعود لأقبل هذه الجائزة بكل سرور يوم يصبح السلام التزاماً حقيقياً يقوم على محاسبة الإبادة الجماعية».
فيلم يحمل صوت طفلة لم تكمل عامها السادس يحكي فيلمها الوثائقي «صوت هند رجب» قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب (5 سنوات) التي قُتلت مع عائلتها ومسعفَيْن حاولوا إنقاذها. عرض الفيلم لأول مرة عالمياً ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية

2025، ثم اختير ليمثل تونس في سباق الأوسكار 2026، ونجح في الوصول إلى القائمة النهائية لأفضل فيلم دولي، ليكون الترشيح الإفريقي الوحيد هذا العام. موقف يعكس ضمير السينما التونسية تُعد كوثر بن هنية من أهم الأصوات السينمائية التونسية والعربية، وسبق لها أن فازت بجوائز دولية مرموقة. ويأتي رفضها اليوم ليضيف صفحة جديدة إلى تاريخ السينما التونسية التي أثبتت حضورها القوي في المحافل العالمية خلال السنوات الأخيرة، سواء في أيام قرطاج أو مهرجانات مراكش والبندقية.
تزامن الحدث مع رسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 80 فناناً وسينمائياً عالمياً ينتقدون صمت مهرجان برلين تجاه ما يجري في غزة، مطالبين بموقف أوضح يتناسب مع قيم الإنسانية التي يرفعها المهرجان. حتى الآن، لم تصدر إدارة الفعالية أي تعليق رسمي على موقف بن هنية. أما في الأوساط الثقافية العربية، فيُنظر إلى الخطوة على أنها نموذج للفنان الذي يرفض أن تكون أعماله أداة للتلميع السياسي. في زمن يحاول فيه البعض فصل الفن عن السياسة، أثبتت مخرجة تونسية أن السينما الحقيقية لا تستطيع الصمت. كوثر بن هنية لم تأخذ الجائزة.. لكنها أعطت السينما صوتاً أعلى.